أفلوطين
175
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
بعضها . لكنه فعل الأشياء وابتدعها دفعة واحدة ، وهو ثابت قائم على حال واحدة لم ينتقل من حال إلى حال . وعلى هذه الصفة ينبغي أن يكون الفاعل الأول ثابتا ساكن الذات من جميع وجوه الحركات . فإنه إذا كان على هذه ، ابتدع جميع المبتدعات . فإن لم يكن كذلك لزمه أن تسبق حركته الفعلية حركة أخرى وأن يسبق علمه بالشيء علم آخر ، وأن يكون علمه الأول ناقصا . إن أوّل فعل الفاعل الأول العقل . والعقل إنما هو ضوء سائح « 1 » من ذلك الجوهر الكريم كما يسيح ضوء الشمس على الأشياء من الشمس . فعلى هذا ابتدع الفاعل الأول الأشياء العقلية كلها ، وأما هو فهو علل على جميع العقلية تلك كلّها « 2 » ، من غير أن يدفع عنه الضياء الذي انبثّ منه . إن الأشياء العقلية ضوء من ضوء ذلك العقل . الضوء باق في الأشياء العقلية غير مباين لها ولا هي هو ، بل هو غيرها . غير أنّا وإن قلنا إنه غيرها أو غير الجوهر وغير العقل وغير سائر الأشياء فإنّا لا نقول إنه ليس بجوهر ، ولا نقول إنه [ 9 ] عديم عقل وعديم بصر وعديم علم . لكنا نقول : إنه فوق الجوهر ، وفوق العقل ، وفوق البصر ، وفوق العلم . وذلك أنه يرى ويعلم ذاته ، وهي الذات التي فوق كل ذات . فلذلك هو العلم الذي فوق كل علم ، لأنه هو العلم الأول . وكما أنه فوق كل عقل كذلك هو فوق كل علم ، لأنه لا يحتاج أن يعلم البتة ، والعلم إنما يكون في الجوهر الثاني لأنه يحتاج إلى علم الجوهر الأول ؛ وليس يليق به اسم الجوهر الحق . لكنا لا نجد له شبيها في الأشياء كلها ولا اسما من أسمائها ويليق بشيء من الأشياء إلا به وحد ، ولذلك نسميه أفضل الأسماء التي يمكنّا أن نسميه بها . فإن سأل السائل وقال : إنكم إذا صيّرتم العالم الأول لا يعلم ، صيرتموه لا يحسّ أيضا فيعرض من ذلك فعل قبيح . قلنا : إنما قلنا إنه ليس بعالم ( لا ) لأنه جاهل الذي هو ضد العالم ، لكنّا عنينا بذلك أنه فوق العلم ، وذلك أن العالم لا يكون إلّا وثمّ علم ومعلوم ، والعاقل لا يكون إلا وثمّ عقل ومعقول ؛ فيتكثر من هذه الجهة . وقد قلنا إنه : لا يقبل التكثير من جهة من الجهات . فإن قالوا إنه عالم من غير أن يكون المعلوم - قلنا : إن علمه إذا يكون
--> ( 1 ) ص : ساح . ( 2 ) ص : عليها ( ! )